تراشق «التُّهم» بين الكتاب.. هل يُعَدُ «قذفاً»؟!
بعد أن تصاعدت وتيرة الخلافات والمساس بالذوات.. تتساءل:
استطلاع: عبدالرحمن الشهراني
الجمعة 03/02/2012

وتستمر عقدة الجدل بين الأنا والآخر في الواقع العربي المعاصر بحدّة، ويشتدّ الصراع ويتفاقم في ظلّ التطورات التي شهدها ويشهدها العالم في جميع مستويات الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية وغيرها، ونسمع بين الفترة والأخرى اختلافا في وجهات النظر بين الأكاديميين والمثقفين والمفكرين مما بات يعرف بتراشق التهم، وحول ذلك رأى العلماء والأكاديميون أن التراشق بين الكتاب والمفكرين يعد مسألة عامة ولا يمكن الحكم على أنه قذف ما لم يعرف اللفظ بالتحديد، وأن القذف يتضمن مدلولين وليس مدلولا واحدا، الأول شرعي وهو يختص «بالزنا واللواط»، والثاني: يختص بالشتم والقذف، وشددوا على ضرورة اتجاه الانتقاد إلى الفكرة وليس لقائلها، ودعوا الكتاب والمثقفين أن ينأوا بأنفسهم عن المواجهات الكلامية واللفظية وعن الوقوع في المحاذير الشرعية من إشاعة الفتنة وتكريس النزاع وتوسيع الهوّة بين المسلمين وشحن النفوس بالشر، فالمسلم مطلوب منه أن يُحصّن لسانه ومطلوب منه أن يُظهر الخير ويطمر الشر، «الرسالة» طرحت أبعاد القضية عليهم في تفاصيل الاستطلاع التالي:
بداية اعتبر المستشار في الديوان الملكي الدكتور عبدالمحسن بن ناصر العبيكان التراشق بين الكتاب والمفكرين مسألة عامة ولا يمكن الحكم على أنه قذف أو غير ذلك ما لم ُيعرف اللفظ بالتحديد، قائلًا: القذف يعتمد على نوعية اللفظ أما المسائل العامة فلا نستطيع إطلاق الحكم عليها حتى يتم التأكد منها.
المساس بالكرامة
من جهته أعرب المحامي والمستشار القانوني محمد عبداللطيف محمد أبو عافية، عن اعتقاده بأن التراشق يعبر عن الاختلاف في الآراء طالما لم يصل إلى المساس بكرامة الشخص الآخر، أو اقترب من التجريح، وقال: التقيد بهذه الحدود في التعبير، يحتفظ بالتراشق في حدود النقاش المسموح به ولا يعد قذفا.
السلوكيات والطبائع
بدوره أوضح الأستاذ المشارك وعضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود الدكتور مالك بن إبراهيم الأحمد أن القذف هو اتهام يطلق على ما يرتكب من بعض السلوكيات والطبائع التي تخص الجانب الديني مثل الاتهام « بالزنا» أو ما شابهه، وأضاف: عندما نذكر أن فلانًا من الناس أخطأ في كذا أو قال كذا فهذا لا يعتبر من السب، وقال: لا شك أن السب منهي عنه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «سباب المسلم فسوق»، وأكد أن تخطئة الشخص بدون سب أو شتم وهذا ليس فيه أي شيء أبدًا، أما القذف فهو اتهام منسوب للشخص بارتكاب جريمة يعاقب عليها من قبل الشارع.
أخلاقيات الحوار
وحول النقاشات التي تجرى بين المفكرين قال: الانتقاد يجب أن يكون للفكرة وليس لقائلها أو مبتدئها، ويفترض أن يتحلى المفكرون بالاحترام المتبادل، مشيرًا إلى أن احترام الشخص يعني التركيز على ما يحتويه رأيه من فكر وقصر التعامل على الرأي بعيدًا عن الشخصية، واستشهد بمقولة العلماء «من ألف فقد استهدف»، ويعني ذلك أن من يكتب أو ينشر لا بد له أن يتحمل ردود الأفعال على ما كتب، وأوضح أن طرح الرأي أم الرأي العام يحمل دعوة ضمنية لكل من لديه رؤية مخالفة على طرحها وتعدد الرؤى من المفترض ألا يغضب أحد، وأن يجرى النقاش في إطار التحلي بأخلاقيات الحوار.
قضايا الدين
وأكد أن الحراك الفكري مطلوب ونقد الأفكار لا شيء يعوقه، محذرا في الوقت نفسه من انتقاد قضايا الدين والعقيدة باعتبارها تمثل خطا أحمر لا يسمح بتجاوزه أو الاقتراب منه، وحول المسائل الاجتهادية قال: تنقسم القضايا الاجتهادية التي لا تستند إلى نصوص شرعية إلى نوعين، النوع الأول: هو ما أجمع عليه جمهور العلماء في المملكة، ولا يستحسن الخروج على هذا الإجماع لكن لا تمنع مناقشته، والنوع الثاني: وهو عبارة عن القضايا التي تحتوي على آراء متعارضة بين العلماء ولا يمنع بالنسبة لهذا النوع أن يتبنى الشخص أي رأي منها ويدرسه ويناقشه وينتقد الرأي الآخر، وأشار إلى وجود قضايا ليس لها علاقة بالدين الحنيف مثل قضايا الإصلاح، وقضايا المجتمع، والقضايا المدنية، والإدارية، قائلًا: لا مانع من النقاش والحوار الهادف حول هذه القضايا، لكن ينبغي أن يكون هدف الكاتب أو الناقد الإصلاح لقوله تعالى «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت» والإصلاح مطلب للجميع وهو هدف أساسي في موضوع النقاشات الفكرية والأدبية وكذلك تصحيح الأوضاع وتصحيح المسارات.
تنوع الأفكار
من جهته اعتبر مدير حملة السكينة لمكافحة الفكر الضال الدكتور عبدالمنعم المشوح أن الاختلاف في وجهات النظر أمرٌ واقعي، مشيرًا إلى أن التنوّع في الأفكار سنّة الله جل وعلا في خلقه؛ لذلك جاءت الشريعة بضبط هذا الاختلاف ووضع آداب مُحددة بين المختلفين، وقال: لو تقيدنا بهذه الآداب في سلوكياتنا في مواقف الاختلاف في الرأي، لتجاوزنا الكثير من المشاحنات الموجودة التي خرجت من دائرة اختلاف وجهات النظر إلى الإساءة الأخلاقية والتجاوز الشرعي في حق الآخرين، موضحًا أن باب إنكار المنكر والنصيحة جاءت الشريعة الغراء بضبطه ووضع ضوابط واضحة لحماية شعيرة النصيحة وإبقاء مضمونها الأخلاقي على ألا يخرج إلى الفضيحة أو التجريح أو الانتصار الشخصي.
الخطاب الشرعي
وحول الحكم على الآراء وتقييم معاني العبارات قال: مسألة دخول بعض العبارات إلى دائرة القذف، من اختصاص القضاء، مؤكدًا أن إطلاق الاتهامات والتعدي على الآخرين في نياتهم وأعراضهم وتشويه سمعتهم جريمة وفساد في التفكير والسلوك.
وأوضح أن الخطاب الشرعي يؤصّل لمبدأ الاجتماع مهما وُجد الخلاف، يقول الله جل وعلا: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) إذا وصل الأمر إلى مرحلة «النزاع»، التي ينتزع فيها كل فريق من الآخر أخلاقياته ومصداقيته وأمانته ويطعن في شخصه وذاته هنا يأتي فشل المشروع الحضاري للبقاء الفكري وتدخل الفوضى والمهاترات، والنتيجة ضعف الجميع.
السموّ الأخلاقي
وأشار إلى أن القرآن الكريم عالج الخلافات من مبدئها ومنطلقها بأن يقول الإنسان في كل أحوال القول الحسن فقال سبحانه: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فالإنسان يختار أحسن الأقوال وأسلمها لا أسوأ الأقوال والأوصاف، والنبي عليه الصلاة والسلام وضع إطارا عامّا للعلاقات الشخصية (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا) هذا هو السموّ الأخلاقي والصفاء الروحي في التعامل مع الآخرين، والنصوص في هذه المعاني كثيرة مما يدل على عناية الشريعة بصيانة العلاقات الشخصية ألا يطغى عليها الهوى والانتصار للذات يقول تعالى: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، والله سبحانه وتعالى أمر بالعدل حتى مع الخصم فيقول: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وهذا في حق المخالف في الدين فكيف بالموافق؟
الألفاظ النابية
وحول بعض الممارسات التي لا تلتزم بأخلاقيات الحوار ولا تتقيد بقواعد التعامل الصحيح قال: الاتهامات المتبادلة والأوصاف غير اللائقة تخرج عن نطاق الأدب الشرعي وتخرج عن نطاق الشهامة والمروءة، فالمسلم مطلوب منه أن يُحصّن لسانه ومطلوب منه أن يُظهر الخير ويطمر الشر، وحول ما إذا كان الدافع هو النصيحة، قال: إن كان المحرّك هو النصيحة فالنصيحة لها ضوابطها، وعليه أن يحميَ دينه وخلقه من التلطّخ في أوحال الألفاظ النابية والتعدي على حرمات الناس ونشرها وإشاعة الفتنة، وأضاف إن كان الأمر كما قال فهو ساهم في نشر الشر وأخطأ خطأ مركبا في الميل عن طريق النصيحة الشرعية، وإن كان الأمر ليس كما قال أو زاد عليه فقد أتى زورا وبهتانا.
ودعا الكتاب والمثقفين أن ينأوا بأنفسهم عن المواجهات الكلامية واللفظية وعن الوقوع في المحاذير الشرعية من إشاعة الفتنة وتكريس النزاع وتوسيع الهوّة بين المسلمين وشحن النفوس بالشر، قائلًا: هذه ليست من صفات العقلاء، فالواجب ردّ الفتنة وحسن الظن وسلامة الصدر وعفّة اللسان، وأتمنى من المسؤولين عن مواقع الإنترنت وروّاد المنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي التحلّي بأدب الشريعة في نشر المحبة والوئام وتضييق سبل النزاع وإيغار الصدور.
من جهته رأى مستشار مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ونائب مدير مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة وأستاذ الفقه المقارن في المعهد العالي للقضاء الدكتور إبراهيم بن محمد قاسم الميمن، أن تراشق الآراء لا يخرج عن كونه اختلاف الرأي، وفضل عدم الخوض فيها تجنبًا لما دعاه بشخصنة الموضوعات.
وتيرة الشحناء
وقال: من الصعب اعتبار ما يحدث قذفًا لأن القذف يكون اتهامًا بارتكاب سلوك معين، مشيرًا إلى وجود بعض السباب الذي قد يتسبب في ارتفاع وتيرة الشحناء والبغضاء بين المفكرين والأدباء، وأكد أن القذف يختص بالزنا واللواط، مضيفًا هناك مشاكل قد تحدث بين المفكرين ويعتبرها البعض قذفا ولكن القذف من الناحية الشرعية هو ما كان مختصًا بأمر مباشر وليس مجرد اختلاف رأي، ونصح بعدم الخوض في تلك المسائل لما لها من آثار سلبية.
الشويعر: الخلاف يدور حول قضية المصطلحات
من ناحيته أوضح أستاذ الفقه في المعهد العالي للقضاء الدكتور عبدالسلام الشويعر أن القذف يتضمن مدلولين وليس مدلولًا واحدًا، الأول: شرعي وهو يختص «بالزنا واللواط»، والثاني: يختص بالشتم والقذف وهذه أيضا من الناحية اللغوية تسمى قذفًا، وأشار إلى أن الخلاف يدور حول قضية المصطلحات التي لم تحظ بالاتفاق، وقد يدخل القذف في قضية التشائم والسباب ولكنه من الناحية اللغوية فقط، معتبرا أن أغلب أخطاء العقلاء تكون في اختلاف المعنى وتفسيرهم للألفاظ بطريقة مختلفة فالألفاظ قد تكون واحدة ولكن يختلف معناها بين شخص وآخر، وقال: الأمر يكاد يكون أشبه بـ «التظهير» وهو من الناحية الشرعية عبارة عن التحريم بالنكاح ولكنه من الناحية المالية يطلق على تظهير الشيك، وأضاف: معنى الكلمة واحد ولكن اختلفت الدلالة، والتظهير ككلمة القذف التي لها مسمى واحد ولكن المشكلة تكون في اختلاف المعنى، مبينا أن السباب ليس قذفا من الناحية الشرعية ولكن يعد قذفا من الناحية اللغوية، وأشار إلى أن اتهام الشخص باقتراف «مقدمات الزنا أو اللواط» لا يسمى قذفا لأن القذف يقصد به اتهام الزنا واللواط فقط.
وأوضح أن موضوع التراشق يعتبر قانونيا وليس فقهيا واستدرك قائلًا: يفضل معرفة دلالة الألفاظ معرفة دقيقة، لأنه قد تطلق قذفا في كل الأحوال، ولكن هناك قذفا شرعيا وقذفا لغويا، وعلى الجميع معرفة أن الحلال بين والحرام بين.

خيارات الحفظ والمشاركة أرسل إلى تويترأرسل إلى فيس بوكأرسل إلى جوجلحفظ PDFنسخة للطباعةأرسل على البريد

إضافة تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

أخبار الساعة


             
حول المؤسسة   الإدارة والتحرير   إصدارات المؤسسة   الاشتراكات الورقية   استوديو المدينة   أندرويد   آيباد وآيفون   تواصل معنا